السيد كمال الحيدري

130

دروس في التوحيد

المسألة الثالثة : علم الواجب بالأشياء بعد الإيجاد ( العلم الفعلي ) يمكن الاستدلال على علم الواجب بالأشياء بعد الإيجاد ، بناء على ما أثبتته المباحث الفلسفية وما سيأتي بحثه مفصلًا في التوحيد في الخالقية من أنّ جميع ما سوى الواجب تعالى من موجودات ، هي معاليل تنتهي إليه سواء بواسطة أو بوسائط - بناءً على مذهب المشّاء ، بخلاف مبنى الحكمة المتعالية الذي يذهب إلى أنّه تعالى علّة قريبة لجميع الممكنات - وعليه فإنّ جميع الممكنات روابط متعلّقة به تعالى حاضرة عنده بوجوداتها ، فالواجب تعالى عالم بها بعد إيجادها ، وحيث إنّ العلم هو حضور مجرّد لمجرّد آخر ، فتكون الأشياء معلومة له تعالى ، أمّا سنخ هذا العلم وهل هو علمٌ حضوريّ أم حصولي ، فسيأتي في الدرس اللاحق . ويسمّى هذا السنخ من العلم بالعلم الفعلي الذي هو عين الفعل وهو متغيّر بتغيّر الفعل ، بخلاف العلم بالأشياء قبل الإيجاد الذي هو علم ذاتيّ بسيط لا يتغيّر وهو عين الذات المتعالية . الفرق بين العلم الفعلي والعلم الذاتي معنى العلم الفعلي هو أنّ الفعل الإلهي هو خلقه وهو علمه أيضاً . ويمكن تقريب هذه الحقيقة إلى الأذهان من خلال مثال : لو تصوّر الإنسان واختلق صورة خيالية في ذهنه ، كأن يصوّر إنساناً له رأسان وأربعة أيد وعشرة أرجل مثلًا ، فإنّ هذه الصورة الخيالية التي لا واقع لها تعدّ من أفعال النفس ومخلوقاتها ، وكما أنّها مخلوقة من قِبل الإنسان فهي معلومة له أيضاً . خلَق الإنسان هذه الصورة بنفسه ، فهي فعله ، وفي الوقت ذاته هي عِلمه .